المقريزي

224

المقفى الكبير

[ 198 أ ] على من اشتغل عليه ، فإنّه كان قدم مصر ولم يبق أحد ينتفع به غالبا ، فكان يعلّم الإنسان كتاب الطهارة ، ويخرجه إلى بلد فيعلّمهم ذلك ، ويعلّم آخر الصلاة ، ويفعل به كذلك ، وآخر الزكاة ، وآخر الصيام ، حتّى كان من يستفاد منه غالبا إنّما هم أصحابه أو أصحاب أصحابه . وقال فيه أبو العبّاس العرشيّ [ الخفيف ] : لمّ شمل الإسلام بعد انصداع * وتلافى رثيثه تجديد مثل ما لمن أبو بك * ر فعاد الطريف مثل التليد « 1 » وقال إبراهيم بن مهدي بن قلنبا المالكيّ الفقيه المتكلّم : شيخنا أبو بكر الطرطوشيّ ، زهده وعبادته أكثر من علمه . وكانت الطلبة والفقهاء يقرءون عليه للتبرّك ، وانتفع جماعة به وتخرّجوا عليه . وورد بغداد ، وكان عليه كساء وقلنسوة ، وكان معه هميان « 2 » فيه مائتا دينار . فاتّفق أنّه في الطريق أراد أن يتوضّأ ، فوضعه في موضعه فنسيه فوجده رجل ديّن خيّر . فصبر يومين فرآه لا يضطرب ولا يطلب شيئا ، فقال له الرجل : هل ضاع لك شيء ؟ فقال : هميان فيه كذا . فأخرج الهميان وقال : هذا لك ؟ قال : بلى ! فأخذه منه ، فقال له الرجل : فما لك سكتت ؟ قال : إذا قلت ضاع منّي مائتا دينار ، وعليّ هذه البزّة ، من كان يصدّقني ؟ ( قال ) : وكان الفقهاء بالليل يكرّرون وينامون ، فيجيء الفقيه الطرطوشيّ ويترك الدنانير الصحاح في أفواههم ، فإذا انتبه الفقيه منهم يجد الذهب في فيه ولا يعلم من تركه فيه . وأخرج من الإسكندريّة صبيحة يوم السبت لآخر ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة . ومنع الناس من الخروج معه خوفا من فتنة تكون . وغلّقت وقت خروجه عليهم أبواب المدينة فلم يقدر أحد يصحبه إلّا أبو طاهر إسماعيل بن مكّي بن عوف ، وعطيّة بن مسلم اللخميّ ، وحسين بن ياسين الصعيديّ ، وشبيب العلّاف الأزديّ ، وعبد اللّه القاضي المالكيّ ، فإنّهم خرجوا معه إلى القاهرة . فدخل على الأفضل ابن أمير الجيوش يوم الاثنين ثامن رجب ، فأكرمه وفرح به . ولم يبق متولّي الثغر غير شهر حتى ورد عليه كتاب الأفضل بعزله ، فخرج باكيا حزينا في مثل اليوم الذي خرج فيه الطرطوشيّ . وكان [ 198 ب ] اسمه جوهر [ وهو ] من جملة الأرمن الموالي ، وقرّر الأفضل للطرطوشي عشرة دنانير في كلّ شهر من جوالي « 3 » النصارى ، وأعطاه المحرس المعروف بالشرف . وما برح بمصر حتى قتل الأفضل ، وولي أبو عبد اللّه محمد بن فاتك الوزارة من بعده . فأذن له في الانصراف إلى الإسكندريّة ، وأكرمه ، وأضاف إليه عشرين فدّانا من البهنسى بالصعيد ، كانت لأبي شبل المعقليّ الزعبيّ العابد بجزيرة الإسكندريّة . ثمّ توفّر له أيضا بعد عوده إلى الإسكندريّة خمسة دنانير في كلّ شهر من الخمس الروميّ « 4 » . فسأل القاضي مكين الدولة أبا طالب أحمد ابن حديد أن يجعلها على الجوالي .

--> ( 1 ) قراءة الشطر الثالث مستعصية . ( 2 ) الهميان كيس لحفظ النقود يحمل كالحزام . ( 3 ) مرّ شرح الجوالي من قريب ص 221 أه 2 . ( 4 ) الخمس الروميّ : ضريبة على تجّار النصارى الواصلين بحرا إلى الديار المصريّة . صبح الأعشى 3 / 463 .